مجمع البحوث الاسلامية
572
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عليه الصّلاة والسّلام كان في بعض الأمور يتّبع أهواءهم ، مثل ترك المخاشنة في القول والغلظة في الكلام ، طمعا منه عليه الصّلاة والسّلام في استمالتهم ، فنهاه اللّه تعالى عن ذلك القدر أيضا ، وآيسه منهم بالكلّيّة على ما قال : وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا الإسراء : 74 . القول الثّالث : أنّ ظاهر الخطاب وإن كان مع الرّسول إلّا أنّ المراد منه غيره ، وهذا كما أنّك إذا عاتبت إنسانا أساء عبده إلى عبدك ، فتقول له : لو فعلت مرّة أخرى مثل هذا الفعل لعاقبتك عليه عقابا شديدا ، فكان الغرض منه أن لا يميل إلى مخالطتهم ومتابعتهم أحد من الأمّة . ( 4 : 142 ) أبو حيّان : اللّام أيضا مؤذنة بقسم محذوف ، ولذلك جاء الجواب بقوله : ( انّك ) وتعليق وقوع الشّيء على شرط لا يقتضي إمكان ذلك الشّرط ، يقول الرّجل لامرأته : إن صعدت إلى السّماء فأنت طالق ، ومعلوم امتناع صعودها إلى السّماء . وقال تعالى في الملائكة الّذين أخبر عنهم أنّهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون قال : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الأنبياء : 29 . إذا اتّضح ذلك سهل ما ورد من هذا النّوع وفهم من ذلك الاستحالة ، لأنّ المعلّق على المستحيل مستحيل ، ويصير معنى هذه الجملة الّتي ظاهرها الوقوع على تقدير امتناع الوقوع ، ويصير المعنى لا تعدّ ظالما ولا تكونه ، لأنّك لا تتّبع أهواءهم ، وكذلك لا يحبط عملك ، لأنّ إشراكك ممتنع ، وكذلك لا يجزى أحد من الملائكة جهنّم ، لأنّه لا يدّعي أنّه إله . وقالوا : ما خوطب به من هو معصوم ممّا لا يمكن وقوعه منه ، فهو محمول على إرادة أمّته ، ومن يمكن وقوع ذلك منه . وإنّما جاء الخطاب له على سبيل التّعظيم لذلك الأمر والتّفخيم لشأنه ، حتّى يحصل التّباعد منه ، ونظير ذلك قولهم : « إيّاك أعني واسمعي يا جاره » . ( 1 : 432 ) الآلوسيّ : أي على سبيل الفرض وإلّا فلا معنى لاستعمال « إن » الموضوعة للمعاني المحتملة بعد تحقّق الانتفاء فيما سبق ، والمقصود بهذا الفرض ذكر مثال لاتّباع الهوى وذكر قبحه من غير نظر إلى خصوصيّة المتّبع والمتّبع . ( 2 : 12 ) الطّباطبائيّ : تهديد للنّبيّ ، والمعنى متوجّه إلى أمّته ، وإشارة إلى أنّهم في هذا التّمرّد إنّما يتّبعون أهواءهم ، وأنّهم بذلك ظالمون . ( 1 : 326 ) مكارم الشّيرازيّ : في القرآن مثل هذا اللّون من الخطاب التّهديديّ للنّبيّ بأسلوب القضيّة الشّرطيّة والهدف من ذلك ثلاثة أشياء : الأوّل : أن يعلم الجميع عدم وجود أيّ تمييز بين النّاس في إطار القوانين الإلهيّة ، وحتّى الأنبياء مشمولون بهذه القوانين . ومن هنا فلو صدر عن النّبيّ - على الفرض المحال - انحراف ، فسيشمله العقاب الإلهيّ ، مع استحالة صدور ذلك عن النّبيّ ، بعبارة أخرى : القضيّة الشّرطيّة لا تدلّ على تحقّق الشّرط . الثّاني : أن يتنبّه النّاس إلى واقعهم ، فإذا كان ذلك شأن النّبيّ ، فمن الأولى أن يكونوا هم أيضا واعين